الملا علي النهاوندي النجفي
88
تشريح الأصول
منهما فكونه كاشفا عن التراضي انما هو مع قطع النظر عن الصحّة وكونه بيعا انما هو بملاحظتها فالبيع عند الشرع أو الشريعة اسم للفظين الدالّين على التراضي الصادرين عن المتعاقدين فلا ينافي ما ذكرنا من استعمال بعت واشتريت الانشائين في التراضي الذي هو قسم من الإرادة ومرتبة منها هذا وقد توهم المحقق صاحب الهداية ان ألفاظ العقود والايقاعات منشئة لمتعلّقها فبعت مثلا منشئ للبيع بالقصد وقد مر ما فيه وقد ذهب الأستاذ الأنصاري نور اللّه مرقده إلى انّ تلك الالفاظ كاشفة عن انشاء متعلّقها فعلا مثلا لفظ بعت كاشف عن التمليك الذّهنى الفعلي الحاصل حين التلفّظ وانه مدلوله وقد غرّه بذلك تسميتهم تلك الالفاظ بالانشاء مع التفاته رحمه اللّه بان الالفاظ غير قابلة لانشاء معناها بها وكذلك غيره أيضا تعريفهم البيع وأمثاله بالايجاب والقبول وقد عرفت وجه التعريف واما تسميته هذه الالفاظ بالانشاء فلا يوجب كون مدلولها ما ذكره من الانشاء التمليك الذهني وهذا مضافا إلى أنه لا يصير سبب افتراق تلك الالفاظ الانشائيّة عن صيغ الافعال الدّالة على وقوع الفعل في زمان الحال امر غير معقول لان الملكيّة ليست الّا السّلطنة وهي كيف تتحقق بالخيال الذهني بل تحققها انما هو بالتسليم والتسليط التام والقول بانّ الملكيّة امر واقعي اصلى فاسد جدّا مضافا إلى أنه لو كانت كذلك فهي امر بين المشترى والملك وهذا كيف يكون بقدرة البائع بلا واسطة مع أنه ليس من افعاله وعوارضه حتى يوجد بمحض ارادته ذلك بلا واسطة ومقدّمة نعم هي امر اعتباري انتزاعي بينهما تابعة لمحلّ انتزاعه ولكن ليس أيضا مقدورا بلا واسطة حتى يوجد بإرادة البائع فقط بل انما يوجد باختيارهما التسليم والتسلّم وبعد التسلّم يصير المشترى سلطانا ومالكا والنسبة هي الملكيّة والقول بأنها امر اعتباري قابل للجعل شطط من الكلام لما مر في الوضع وسيجيء في الاحكام الوضعيّة انّ الأمورات الاعتباريّة غير قابلة للجعل اوّلا وبالذات بل حدوثها وزوالها تابعان لمحلّ انتزاعها ولتغيير محل انتزاعها ومحلّ انتزاع الملكيّة ليس الّا الشخص المشترى في المثال والعين والبائع لم يغيرهما حين التلفّظ ببعت فمع كونهما بحالهما كيف تغيّر اعتبارهما وما ينتزع عنهما هذا ولو كان الامر كما قاله المحقّق والأستاذ نور اللّه مرقدهما من سببيّة الانشاءات للتمليك أو كونه امرا اعتباريّا قابلا للجعل لكان تمسّك العلماء في صحة المعاملات العقوديّة ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) باطلا وينبغي ان يتمسّك في صحة عقد البيع ( أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) وفي أمثاله بمثله لو وجد ووجه ذلك ان العقد هو التعاهد ولا ريب ان فعل الشيء ليس تعهّد هذا الشيء فان التعهّد التزام بايقاع امر لا نفس الايقاع فلو كان الايجاب والقبول سببا لتحقق التمليك أو كان مدلوله نفس التمليك ليس من مصاديق العقد ولا يناسب امضائه بالامر بالوفاء فان الوفاء يناسب ما يكون من صنف الوعد من الإرادات نعم على فرض كونه تمليكا يناسب اندراجه تحت قوله تعالى ( أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) نظير اندراج المعاطاة في تحته فلم يبق لذا عموم في لزوم المعاملات العقديّة والعجب عن الأستاذ نوّر اللّه مرقده مع أنه قال بعدم امكان جعل الاحكام الوضعيّة جعل مدلول الايجاب والقبول هو انشاء نفس التمليك وأعجب منه انّه يظهر من بعض كلماته امكان إرادة الموجب والقابل ايجاد الملكيّة الشرعيّة وما ادرى كيف تصور امكان ذلك مع انّ جعل الملكيّة الشرعيّة لو قلنا بامكانه من الشرع اوّلا وبالذات وليست تابعة لجعل الاحكام التكليفيّة ولكنها انما هي بيد الش وهي من احكامه والذي جعله بيد الغير ومن جملة احكامه كيف يمكن من الموجب العاقل قصد حصوله واعتباره